By عبد الله المصرى on Thursday, 27 August 2026
Category: مدونات عربية

لم يهزمنا عدونا: هزمتنا الأسطورة

 أعداءٌ من ورق

من أعجب ما ابتُليت به بعض عقولنا في زماننا أنها لا تكتفي بأن تجعل للعدو قوةً حقيقية، بل تزيد عليها من عندها قوةً من الوهم، ثم تجلس أمام هذا المخلوق الذي صنعته بيديها واجفةً مذعورة، كأنها لم تخلق عدوّها إلا لتبرّر لنفسها العجز عنه.
ولست أدري كيف استطعنا أن نجمع بين أمرين متناقضين: أن نزعم أن أعداءنا صرحاء معنا إلى حد أنهم تركوا لنا كتبهم وخططهم وتصريحاتهم ومقولاتهم، حتى كأنهم يكتبون تاريخنا بأيديهم قبل أن يقع، ثم نعترف في الوقت نفسه أننا لم نفهم شيئًا من هذا كله، ولم نستطع أن نحول بين أنفسنا وبين ما يحذروننا منه!

يخرج علينا كل حين قولٌ منسوب إلى رجل من رجال إسرائيل، أو وثيقة غامضة، أو «بروتوكولات» لا يُعرف لها أصل صحيح، ثم يُقدَّم إلينا الأمر وكأن العالم كله كتاب مفتوح بين أيدينا، وأن كل ما يقع من حولنا إنما هو فصل جديد من مؤامرة قديمة كُتبت في مكان ما منذ عشرات السنين.
ولو كان الأمر مجرد خطأ في التوثيق لهان، ولكن المصيبة أن هذه الروايات لا تُستخدم لإيقاظ العقل، بل كثيرًا ما تُستخدم لإراحته.
فإذا كان كل شيء مكتوبًا، وكل شيء مخططًا، وكل شيء بيد عدو لا يخطئ ولا يُغلب، فما حاجتنا إلى البحث؟ وما حاجتنا إلى إصلاح أنفسنا؟ وما حاجتنا إلى سؤال: أين أخطأنا؟
وهكذا تتحول الخرافة، من حيث لا يشعر صاحبها، إلى وسادة يضع عليها رأسه لينام مرتاح الضمير.

بين المؤامرة والحقيقة
ليس من العقل أن ننكر أن للأعداء خططًا، وأن للدول مصالح، وأن للمنظمات جماعات ضغط، وأن للمال أثرًا في السياسة، وأن إسرائيل تسعى إلى حماية مصالحها وتوسيع نفوذها وإضعاف خصومها. ومن السذاجة أن يتصور الإنسان أن السياسة الدولية سوقٌ للبراءة، وأن الدول الكبرى تتحرك بدافع الإحسان إلى الشعوب.
إن للعدو عقلًا يخطط، ومؤسسات تعمل، وأجهزة تجمع المعلومات، ومراكز أبحاث تدرس الواقع، ودوائر سياسية واقتصادية وأمنية تتعاون فيما بينها؛ وهذه حقائق لا تحتاج إلى أسطورة حتى تثبتها.
لكن الفرق كبير بين أن تقول: «لهؤلاء نفوذ ومصالح وخطط»، وبين أن تقول: «هؤلاء يحكمون العالم كله، ويحركون كل دولة، ويصنعون كل أزمة، ويعرفون كل شيء، ولا يخرج شيء عن إرادتهم».

الأول فهمٌ للسياسة، والثاني صناعةٌ للأسطورة.
ولقد كان من أخطر ما فعلته نظرية المؤامرة الشاملة أنها نزعت من أيدينا مسؤوليتنا عن واقعنا؛ فكلما وجدنا فسادًا قلنا: مؤامرة، وكلما رأينا فشلًا قلنا: مؤامرة، وكلما رأينا حاكمًا يخطئ قلنا: عميل، وكلما عجزنا عن تفسير حدث قلنا: هناك غرفة مظلمة يجلس فيها قوم لا نعرفهم، يحرّكون العالم كما يحرك اللاعب قطع الشطرنج.
فأصبحنا نبحث عن اليد الخفية قبل أن نبحث عن اليد التي نراها.

نحن لا نحتاج إلى عدوٍّ أسطوري
والحق أن الأمة التي تعرف أسباب ضعفها لا تحتاج إلى اختراع عدوٍّ أسطوري لتفسير هزائمها.
فقد يكون العدو قويًا، نعم؛ ولكن هل معنى ذلك أننا لا نملك شيئًا؟ وهل كان كل انتصار في التاريخ انتصارَ الأقوى عددًا وسلاحًا؟ وهل كانت الأمم لا تنهض إلا بعد أن تتساوى في القوة مع خصومها؟
لو كان الأمر كذلك، لما تغير وجه التاريخ قط.
ولقد رأينا في عصرنا نفسه أممًا وجماعات تقاوم قوى أعظم منها عدةً وعتادًا، لا لأنها تملك سلاحًا سحريًا، ولا لأن خصمها كان ضعيفًا، ولكن لأنها لم تسمح لفكرة «استحالة المواجهة» أن تستقر في عقولها.

وليس المقصود تمجيد كل تجربة أو تبرير كل موقف، وإنما المقصود أن نكسر تلك القاعدة النفسية التي تقول: «إذا كان خصمك أقوى منك، فقد انتهى الأمر».
إنها قاعدة لا يقررها التاريخ، وإنما يقررها اليأس.

حين يصبح العجز عقيدة
ولعل أخطر ما في هذه الأساطير أنها لا تجعل العدو قويًا فحسب، بل تجعلنا نحن عاجزين.
فإذا قيل للرجل: إن أمريكا تسيطر على العالم، وإسرائيل تتحكم في أمريكا، والتنظيمات السرية تحرك إسرائيل، وأن كل حاكم في بلاد المسلمين إنما هو قطعة في رقعة شطرنج صهيونية؛ فما الذي بقي له من قدرة على الفعل؟
لا شيء.
سيجلس في مكانه، ويشتم المؤامرة، ويلعن الزمن، ثم يذهب إلى حياته اليومية وكأن المطلوب منه أن ينتظر معجزةً تهبط من السماء.

وهذا المعنى هو الذي كان الدكتور عبد الوهاب المسيري يسخر منه حين تحدث عن فكرة «البروتوكولات» والقوى السرية التي تتحكم في العالم؛ فلو صحت هذه الصورة الخرافية، وكان وراء إسرائيل تنظيمٌ يملك من القدرة ما يجعل العالم كله لعبةً في يده، لكان من العبث أصلًا أن تحارب هؤلاء؛ لأنك لا تحارب بشرًا في هذه الحالة، وإنما تحارب قوةً أسطورية لا تُغلب.
وكانت سخريته في محلها؛ لأن الخصم حين يتحول في وعينا من دولة لها مصالح وأجهزة ومؤسسات إلى قوة مطلقة تعرف كل شيء وتسيطر على كل شيء، نكون قد منحناه من القوة ما لم يستطع هو أن يمنحه لنفسه.

التاريخ لا يبرئنا
ومن أسهل الأشياء على النفس أن تجعل الآخرين مسؤولين عن كل شيء.
لكن تاريخنا نفسه لا يسمح لنا بهذا الترف.
فكم من حاكم مسلم استعان بغير المسلمين على خصمه المسلم؟ وكم من أمير طلب نصرة الخارج ليستبقي ملكه؟ وكم من سلطان قدّم مصلحته وعرشه على مصلحة الأمة؟

إن قراءة التاريخ بعين ناضجة تعلمنا أن البشر بشر؛ تحركهم العقيدة أحيانًا، وتحركهم المصلحة أحيانًا، ويغلب عليهم الطمع حينًا، والخوف حينًا، وحب السلطة حينًا آخر.
فليس كل حاكم فاسد عميلًا لإسرائيل، وليس كل قرار يضر الأمة قد كُتب في تل أبيب، وليس كل مصيبة تحتاج إلى يد صهيونية لكي تقع.
وقد يكون العدو سعيدًا بضعفك، وقد يستغل انقسامك، وقد يساند من يحقق له مصلحة؛ ولكن هذا شيء، والقول بأنه صنع كل ضعفك وأدار كل تفاصيل حياتك شيء آخر.
إنك حين تنسب كل شيء إلى العدو، قد تظلمه في قدرته كما تظلم نفسك في مسؤوليتها.

العدو يستغل ضعفك... فلا تصنعه أنت
قد تساعد إسرائيل حاكمًا يحفظ لها مصالحها، وقد تحاول التأثير في قرار دولة، وقد تستخدم المال والسياسة والإعلام والعلاقات الدولية في خدمة أهدافها، وهذا كله مما تفعله الدول في صراع المصالح.
لكن هل تستطيع أن تفعل ذلك وحدها إذا كان المجتمع واعيًا، والمؤسسات قوية، والاقتصاد متماسكًا، والتعليم منتجًا، والقرار السياسي مستقلًا، والشعب مشغولًا ببناء بلده لا بخناقات الفنانين ومباريات الكرة ومطاردة كل تافه على شاشات الهواتف؟

العدو يستطيع أن يستغل الثغرة، لكنه لا يستطيع أن يجعل كل باب ثغرة إذا أحكمنا إغلاق الأبواب.
وهنا يقع الخطأ الأكبر: أن ننظر إلى الخارج ونحن نهرب من النظر إلى الداخل.
نلعن العدو لأنه يستغل فسادنا، ولا نسأل من صنع الفساد.
نلعنه لأنه يستغل انقسامنا، ولا نسأل لماذا انقسمنا.
نلعنه لأنه وجد مجتمعًا ضعيفًا، ولا نسأل لماذا ضعف المجتمع.
كأننا نريد عدوًا يفسر لنا كل شيء، حتى لا نضطر إلى مواجهة أنفسنا.

التوكل ليس استسلامًا
وليس معنى هذا كله أن نتعلق بالأسباب وننسى رب الأسباب؛ بل العكس هو الصحيح.
إن المؤمن يعلم أن النصر بيد الله، وأن القوة كلها لله، لكنه يعلم كذلك أن الله أمره أن يأخذ بالأسباب، وأن السنن لا تحابي أحدًا.
فالتوكل ليس أن تلقي سلاحك ثم تقول: «حسبنا الله».
والدعاء ليس أن تتخلى عن كل وسيلة ثم تقول: «ليس في أيدينا إلا الدعاء».
إنما التوكل أن تعمل بما تستطيع، وتستفرغ وسعك، وتبذل السبب، ثم تعلق قلبك بالله لا بالسبب.
وهكذا لا يصبح إيماننا حجةً للكسل، ولا يصبح ضعفنا قدرًا محتومًا، ولا تصبح قوة عدونا ذريعةً للاستسلام.

اخرجوا من عالم الأساطير
نحن بحاجة إلى أن نخرج من عالم الحكايات التي تجعل العدو يعرف كل شيء، ويمتلك كل شيء، ويتحكم في كل شيء.
نحن بحاجة إلى أن نراه كما هو: دولة قوية، لها مصالح، ولها نقاط قوة ونقاط ضعف، تخطط وتخطئ، تنجح وتفشل، وتنتصر أحيانًا وتتراجع أحيانًا.
فإذا عرفنا العدو على حقيقته أمكن أن نفكر في مواجهته.
أما إذا جعلناه قوةً فوق التاريخ، فلا يبقى لنا إلا أن نجلس في الظلام وننتظر ما يفعله بنا.
وليس أخطر على أمة من عدو قوي إلا أن تعتقد أن عدوها أقوى مما هو.
فحينها لا يحتاج إلى أن يهزمها؛ لأنها تكون قد هزمت نفسها قبل أن تبدأ المعركة.

ولهذا، فإن أول ما نحتاج إليه ليس قصةً جديدة عن المؤامرة، ولا مقولةً مجهولة ننسبها إلى جولدا مائير، ولا وثيقةً لا نعرف أصلها.
نحتاج إلى شيء أبسط وأصعب:
أن ننظر إلى الحقيقة كما هي.
أن نعرف عدوّنا، وأن نعرف أنفسنا، وأن نعترف بأخطائنا، وأن نبني قوتنا، وأن نأخذ بالأسباب، وأن نستعين بالله.
فليس المطلوب أن نقنع أنفسنا بأن العدو ضعيف.
بل المطلوب أن نتوقف عن اعتقاد أنه لا يُغلب.
وبين الأمرين مسافةٌ هي المسافة نفسها بين الوعي والوهم، وبين المقاومة والاستسلام.
Leave Comments